مجرة بلا نجوم؟
تقول صورتنا المعيارية عن الكون إن المادة المظلمة جاءت أولًا. فتكوّنت منها تكتلات غير مرئية تُسمى الهالات، وسقط فيها الغاز، فبرد واشتعل نجومًا. لكن أصغر الهالات لا يُفترض أنها نجحت كلها في ذلك. فقبل أن يُعاد تأيّن الكون، كان غازها يبرد ببطء شديد؛ وبعد ذلك، أبقاه الضوء فوق البنفسجي الذي يملأ الكون دافئًا. ومثل هذه الهالات ستحتفظ بغازها الأصلي إلى الأبد ولن تكوّن نجمًا واحدًا.
يسميها الفلكيون RELHIC، أي Reionization-Limited H i Clouds (سحب الهيدروجين المتعادل المحدودة بإعادة التأين)، أو ببساطة «المجرات المظلمة». وهي تنبؤ راسخ للنظرية. لكنها أيضًا صعبة الرصد جدًا: فمن دون نجوم، لا تراها التلسكوبات العادية. والسبيل الوحيد لرصدها هو التوهج الراديوي الخافت للهيدروجين المتعادل عند طول موجي قدره 21 سنتيمترًا.
سحابة وحيدة
عثر فريق بقيادة جين-لونغ شو (المراصد الفلكية الوطنية، الأكاديمية الصينية للعلوم) وأليخاندرو بينيتيث-ليامباي (جامعة ميلانو-بيكوكا) على واحدة منها في مسح راديوي أعمى أُجري بتلسكوب FAST الراديوي الصيني ذي الـ500 متر. ثم رصدوها ثلاث مرات أخرى في يوليو وأغسطس 2026. واستبعدت الأرصاد المتكررة في تواريخ مختلفة احتمال التداخل الراديوي. ولا تظهر السحابة في الفهارس الموجودة للمجرات المظلمة المرشحة.
أطلقوا عليها اسم J1351+0039. وتقع على بعد نحو 3.7 ميغافرسخ فلكي، أي قرابة 12 مليون سنة ضوئية. ولا توجد أي مجرة كبيرة ضمن 100000 فرسخ فلكي منها. ولا ذيول أو جسور غازية تكشف عن مادة انتُزعت من جارة.
ما تقوله الأرقام
- الهيدروجين المتعادل: نحو 480000 ضعف كتلة الشمس؛ ونحو 640000 عند احتساب الهيليوم.
- الحجم: نصف قطر فعّال قدره 2.9 كيلوفرسخ فلكي، وشكل شبه دائري (نسبة المحورين 0.94).
- النجوم: لم يُرصد أي منها في الصور العميقة لمسح DESI Legacy Survey. وقد يختبئ تحت حد الرصد ما لا يزيد على 150000 كتلة شمسية من النجوم.
- الكتلة الكلية، المقيسة من سرعة حركة الغاز: نحو 130 مليون كتلة شمسية.
وهذا يعطي نسبة تقارب 200 بين المادة المظلمة والمادة العادية. ومن دون تلك الكتلة غير المرئية، بحسب حسابات المؤلفين، كانت السحابة ستتبدد خلال نحو 240 مليون سنة.
لا يكاد الغاز يدور، إذ تبلغ سرعته نحو 4 كم/ث، بينما تصل حركاته الداخلية العشوائية إلى نحو 11.6 كم/ث. فالسحابة إذن متماسكة بفعل الضغط، ككرة من الغاز الدافئ، لا بالدوران كقرص. ودرجة حرارتها، نحو 11000 كلفن، تطابق غازًا أبقته الخلفية الكونية فوق البنفسجية دافئًا: فهي لم تبرد قط بما يكفي لتكوين النجوم.
ما لا يزال غير مؤكد
المؤلفون حذرون. فمجموعة نجمية شديدة التشتت، كتلك التي في المجرة القزمة فائقة الخفوت Leo T، ستظل غير مرئية في الصور الحالية على هذه المسافة. والحاجة قائمة إلى صور أعمق من الفضاء، بتلسكوب هابل أو تلسكوب جيمس ويب الفضائي، لتأكيد أن السحابة خالية فعلًا من النجوم. كما أن الدوران الضعيف غير متوقع بالنسبة إلى RELHIC؛ ويرجّح المؤلفون أن السحابة ربما اكتسبت بعض الدوران تدريجيًا.
لذا فإن J1351+0039 مرشحة: إما مجرة مظلمة حقيقية، وإما مجرة عادية خافتة للغاية.
أنقى مرشحة حتى الآن
تقع المرشحات السابقة، مثل Cloud-9 قرب المجرة M94، واثنتين قرب M51، بالقرب من مجرات كبيرة ربما شكّلتها جاذبيتها. أما J1351+0039 فوحيدة. وبحسب المؤلفين، يجعلها ذلك أنقى مرشحة لمجرة مظلمة معزولة وأكثرها إقناعًا حتى الآن: مختبرًا طبيعيًا لدراسة المادة المظلمة والغاز حيث لم يتكوّن نجم قط.
