الكيمياءنسخة أوليةمحاكاةمدة القراءة: 3 د

جزيئات أمونيا تنقلب كالمظلات

يدين الماء والسيليكون السائل بكثير من غرائبهما لشبكة مفتوحة من الروابط الاتجاهية. أما السوائل البسيطة فهي، على النقيض، مجرد جسيمات متراصة بكثافة. وتقع الأمونيا السائلة بين الحالتين. فلكل جزيء NH₃ ثلاث ذرّات هيدروجين يمكنها أن تمنح رابطة هيدروجينية، لكن له موقعًا واحدًا فقط يمكنه أن يستقبلها، ولذلك تكون روابطه قليلة وعابرة: نحو رابطة مُستقبَلة واحدة لكل جزيء، تدوم قرابة عُشر بيكوثانية، وفقًا للدراسات التي تستشهد بها الورقة.

وللأمونيا أيضًا حيلة لافتة. فالجزيء هرم صغير، ويمكن لذرّة النيتروجين فيه أن تنزلق عبر مستوى ذرّات الهيدروجين الثلاث إلى الجهة الأخرى، فتقلب الهرم رأسًا على عقب كمظلة في هبّة ريح. وهذا الانقلاب الهرمي (pyramidal inversion) حساس للتأثيرات الكمومية: ففي الحالة الغازية ينقلب الجزيء بالنفق الكمومي. وتساءل مينوو كيم وجي وونغ يو ووون بو لي وزملاؤهم في جامعة سيول الوطنية وجامعة أجو عمّا إذا كانت هذه الانقلابات، في السائل، قادرة على التأثير في شيء عادي مثل سرعة تجوّل الجزيئات.

معظم النماذج لا تسمح بالانقلاب أصلًا

كانت العقبة الأولى هي النموذج. فمن بين خمسة حقول قوى قياسية خضعت للاختبار، لم ينتج أربعة منها أي انقلاب على الإطلاق: اثنان يعاملان الجزيء على أنه صلب، واثنان يثبّتان زواياه بنوابض لا تسمح له أبدًا بالوصول إلى الشكل المسطّح بزاوية 120 درجة الذي يتطلبه الانقلاب. لذلك استخدم الفريق حقل قوى مبنيًا بتعلّم الآلة (machine-learned force field)، دُرِّب في عمل سابق على حسابات من الكيمياء الكمومية، وقد أعاد إنتاج بنية السائل وكثافته ولزوجته وانتشاره بدقة تضاهي أفضل النماذج القياسية، مع إتاحة الانقلابات التلقائية.

ولإدخال الطبيعة الكمومية للنوى، لجأ الباحثون إلى الديناميكا الجزيئية للبوليمرات الحلقية (ring-polymer molecular dynamics): إذ تُمثَّل كل نواة بـ32 نسخة مرتبطة بنوابض، ما يعيد إنتاج إحصائياتها الكمومية. وتقاسمت المحاكاتان الكلاسيكية والكمومية مشهد الطاقة نفسه تمامًا، لـ512 جزيئًا بين 170 و250 كلفن، وهو نطاق يمتد إلى السائل فائق التبريد، دون نقطة الانصهار.

انقلابات تهزّ الجوار

  • مع النوى الكمومية، يصبح السائل أقل كثافة، وتقترب لزوجته أكثر من القيم التجريبية، ويحتفظ بعدد أقل بقليل من الروابط الهيدروجينية.
  • ينخفض حاجز الطاقة الظاهري للانقلاب من 0.272 إلكترون فولت (كلاسيكيًا) إلى 0.213 (كموميًا)، فتصبح الانقلابات أكثر تواترًا نسبيًا كلما برد السائل.
  • إذا ثُبِّتت كل الجزيئات المجاورة في مكانها، فإن الجزيء المنقلب يقع عند طاقة أعلى بمقدار 0.277 إلكترون فولت مما كان عليه: فالمحيط لا يلائم الشكل المقلوب إطلاقًا، ولذا يحدث الانقلاب وإعادة ترتيب الجيران معًا.
  • حول كل انقلاب، يفقد الجزيء روابط هيدروجينية وتنخفض كثافته المحلية لنحو بيكوثانية قبله وبعده. أما الجيران الواقعون ضمن 5 أنغستروم، أي طبقته الأولى، فيفقدون نحو 2% من روابطهم و1% من كثافتهم؛ وما وراء ذلك لا يتغير شيء.

الإفلات من القفص

في السائل الأدفأ، لا تغيّر النوى الكمومية الانتشار إلا بين −5% و+2%. لكن دون نحو 210 كلفن، يصبح التأثير موجبًا ويبلغ +18% عند 170 كلفن.

ويكمن التفسير في التقفيص (caging). فكلما برد السائل، ازداد انحباس كل جزيء بين جيرانه، كما في الزجاج، وصار عليه أن يتحرر كي يتنقّل. واحتمال الإفلات من القفص أعلى مع النوى الكمومية، بنحو 20% عند 170 كلفن، ويرتفع بالتوازي مع زيادة الانتشار. وفي تصوّر المؤلفين، فإن كل انقلاب تساعده التأثيرات الكمومية هو “كاسر بنية” محلي صغير، يُرخي القفص في اللحظة التي تبدأ فيها الأقفاص بالتأثير.

ويتحلى المؤلفون بالحذر: فالسائلان الكلاسيكي والكمومي يُقارَنان كلٌّ عند كثافته الخاصة، ولذلك لا يُفصل دور الانقلاب تمامًا عن تغيّر الكثافة، كما أن الارتباط بين الإفلات من القفص والانتشار لا يثبت الآلية وحده. وفكرتهم المحورية أن تأثيرًا كموميًا على حركة داخل الجزيء يمكنه، متى اقترن بمحيطه، أن يصل إلى طريقة جريان السائل بأكمله.

Legal notice